محمد بن جرير الطبري
28
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
بن وقاص الليثي ، عن كثير ، عن أنس بن مالك ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لما عرج بي ، مضى جبريل حتى جاء الجنة ، قال : فدخلت فأعطيت الكوثر ، ثم مضى حتى جاء السدرة المنتهى ، فدنا ربك فتدلى ، فكان قاب قوسين أو أدنى ، فأوحى إلى عبده ما أوحى " وقوله : فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك ، فقال بعضهم : معناه : فأوحى الله إلى عبده محمد وحيه ، وجعلوا قوله : ما أَوْحى بمعنى المصدر . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن بشار ، قال : ثنا معاذ بن هشام ، قال : ثنا أبي ، عن قتادة ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، في قوله : فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى قال : عبده محمد صلى الله عليه وسلم . وقال آخرون بل معنى ذلك فأوحى جبرئيل إلى عبده محمد صلى الله عليه وسلم ما أوحى إليه ربه . وقد يتوجه على هذا التأويل " ما " لوجهين : أحدهما : أن تكون بمعنى " الذي " فيكون معنى الكلام فأوحى إلى عبده الذي أوحاه إليه ربه . والآخر : أن تكون بمعنى المصدر . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن بشار ، قال : ثنا معاذ بن هشام قال : ثني أبي ، عن قتادة : فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى ، قال الحسن : جبريل . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا مهران ، عن أبي جعفر ، عن الربيع فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى قال : على لسان جبريل . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا حكام ، عن أبي جعفر ، عن الربيع ، مثله . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى قال : أوحى جبريل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أوحى الله إليه . وأولى القولين في ذلك عندنا بالصواب قول من قال : معنى ذلك : فأوحى جبريل إلى عبده محمد صلى الله عليه وسلم ما أوحى إليه ربه ، لأن افتتاح الكلام جرى في أول السورة بالخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وعن جبريل عليه السلام ، وقوله : فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى في سياق ذلك ولم يأت ما يدل على انصراف الخبر عنهما ، فيوجه ذلك إلى ما صرف إليه . وقوله : ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى يقول تعالى ذكره : ما كذب فؤاد محمد محمدا الذي رأى ، ولكنه صدقه . واختلف أهل التأويل في الذي رآه فؤاده فلم يكذبه ، فقال بعضهم : الذي رآه فؤاده رب العالمين ، وقالوا جعل بصره في فؤاده ، فرآه بفؤاده ، ولم يره بعينه . ذكر من قال ذلك : حدثنا سعيد بن يحيى ، قال : ثني عمي سعيد عبد الرحمن بن سعيد ، عن إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي ، عن سماك بن حرب ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، في قوله : ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى قال : رآه بقلبه صلى الله عليه وسلم . حدثنا خلاد بن أسلم ، قال : أخبرنا النضر بن شميل ، قال : أخبر عباد ، يعني ابن منصور ، قال : سألت عكرمة ، عن قوله : ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى قال : أتريد أن أقول لك قد رآه ، نعم قد رآه ، ثم قد رآه ، ثم قد رآه حتى ينقطع النفس . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا يحيى بن واضح ، قال : ثنا عيسى بن عبيد ، قال : سمعت عكرمة ، وسئل هل رأى محمد ربه ، قال نعم ، قد رأى ربه . قال : ثنا يحيى بن واضح ، قال : ثنا سالم مولى معاوية ، عن عكرمة ، مثله . حدثنا أحمد بن عيسى التميمي ، قال : ثنا سليمان بن عمرو بن سيار ، قال : ثني أبي ، عن سعيد بن زربي عن عمرو بن سليمان ، عن عطاء ، عن ابن عباس ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " رأيت ربي في أحسن صورة فقال لي : يا محمد هل تدري فيم يختصم الملأ الأعلى ؟ فقلت : لا يا رب فوضع يده بين كتفي ، فوجدت بردها بين ثديي فعلمت ما في السماء والأرض " فقلت : " يا رب في الدرجات والكفارات ونقل الأقدام إلى الجمعات ، وانتظار الصلاة بعد الصلاة " ، فقللت : " يا رب إنك اتخذت إبراهيم خليلا ، وكلمت موسى تكليما ، وفعلت وفعلت ؟ " فقال : ألم أشرح لك صدرك ؟ ألم أضع عنك وزرك ؟ ألم أفعل بك ؟ ألم أفعل . قال : " فأفضى إلي بأشياء لم يؤذن لي أن أحدثكموها " ؛ قال : " فذلك قوله في كتابه يحدثكموه " : ثم دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى ، فأوحى إلى عبده ما أوحى ما كذب الفؤاد ما رأى ، " فجعل نور بصري